المنجي بوسنينة

220

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

أجدّي أرى هذا الزمان تغيّرا * وبطن الركاء من مواليّ أقفرا وكائن ترى من منهل باد أهله * وعيد على معروفه فتنكّرا لقد كان فينا من يحوط نمارنا * ويحذي الكميّ الزاعبيّ المؤمّرا ألهفي على عزّ عزيز وظهرة * وظلّ شباب كنت فيه فأدبرا ولعلّ ذكره أيام الجاهلية راجع إلى ما هو فيه من شيخوخة تجعله يذكر أيام الشباب ، ومن عادة المرء أن يذكر الماضي في شيخوخته ، ولعل وصفه برقّة الدين تهمة ألصقها به خصومه . وكان بدويا ، أمضى معظم عمره في البادية ، ولم يعرف الحاضرة إلّا قليلا ، وهو ما أكسبه جفاء الطبع ، ولعلّ رقة الدين جاءته من جفاء البداوة ، ولعل في عوره ما زاده جفاء ، يؤكّد ذلك اكتفاؤه بعيشه وعدم وفوده على أحد فليس في شعره مديح ولا هجاء ، إلّا ما كان من ردّه على النجاشي ، حين هجا معاوية . وكان شديد الاعتداد بنفسه وشعره ، وقد أكثر من الفخر بمناقبه ، ومن فخره بشعره قوله [ الديوان ، 136 ] : إذا متّ عن ذكر القوافي فلن ترى * لها تاليا بعدي أطبّ وأشعرا وأكثر بيتا ماردا ضربت له * حزون جبال الشّعر حتّى تيسّرا أغر غريبا ، يمسح الناس وجهه * كما تمسح الأيدي الأغرّ المشهّرا وظهر أثر حياته في شعره ، فهو قوي متين ، غريب الألفاظ ، عني فيه بالبادية ومظاهرها ، فوصف الصحراء وما فيها من حياة ، فصور وحشها وكثبانها والارتحال فيها والحرب وأدواتها وأخلاق الأعراب وعاداتهم وأشاد بمثلهم من كرم وشجاعة ، وفخر بقومه وسار في ذلك كلّه على نهج من سبقه من الشعراء ، فكان يستهلّ القصيدة بالغزل على عادتهم ، ولم يمدح أحدا لأنّه لم يتّصل بأحد ، وكان مكتفيا بعيشه ولم يتكسب بشعره ، ولم يهج إلا ما كان من ردّه على النجاشي حين هجا معاوية . وبرع في وصف قداح الميسر ، حتّى عرف بجودة وصفها ، وضرب به المثل فقيل : قدح ابن مقبل ، وكان العرب يضعون القداح في وعاء ، وهي عشرة سهام مصنوعة من أغصان يابسة ، سبعة عليها علامات ، وثلاثة ليس عليها علامة ، ويدخل الرجل يده في الوعاء ، فإن خرجت بقدح ( بكسر القاف وتسكين الدال ) من السبعة الأولى فاز ، وإن خرجت بواحد من الثلاثة الأخيرة غرم ، ومن وصفه القدح [ الديوان ، 26 - 30 ] : تخيّل فيها ذو وسوم ، كأنّما * يطلي بحصّ أو يصلى فيضبح صريع درير مسّه مسّ بيضة * إذا سنحت أيدي المفيضين يبرح غدا وهو مجدول ، فراح كأنّه * من الصكّ والتقليب في الكف أفطح فالشاعر يصف القدح بأنّه متميّز من بين القداح ، وهو أصفر كأنّه مصبوغ أو كأنّ النار لوّحته ، وهو مصنوع من غصن ساقط من